حين تصبح كلّ بضاعة مشروعة تُهمة مُحتملة! قضايا وآراء رأي معن خليل الخميس 2 تموز 2026 ما نشهده اليوم من تجنٍّ ومغالاة في بع
حين تصبح كلّ بضاعة مشروعة تُهمة مُحتملة!
قضايا وآراء
|
رأي
معن خليل
الخميس 2 تموز 2026
ما نشهده اليوم من تجنٍّ ومغالاة في بعض المواضيع، ومن استنسابية في تطبيق القوانين، بات يفرض على كل تاجر أن يتحسّب يوماً ما لأن يجد نفسه مُتّهماً بحيازة أو تجارة الأسلحة، رغم أن تجارته بعيدة كلّ البعد عن هذا النوع من الأعمال، فقط بسبب توسّع في التأويل أو قراءة مُبالَغ فيها لطبيعة البضاعة التي يتعامل بها.
ولعل قضية التاجر ربيع الطويل تفتح الباب واسعاً أمام هذا النقاش. فالرجل أمضى قرابة شهر موقوفاً في سياق ملف ارتبط بقطع إلكترونية يُشتبه بإمكان استخدامها في تصنيع المُسيّرات. ولا يهدف هذا الكلام إلى إصدار حكم على الملف، فالقضاء وحده هو المُخوّل النظر في الوقائع والأدلة، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً: إلى أي حدّ يمكن أن يمتد الاشتباه عندما تكون السلعة مدنية ومتداولة ولها استعمالات متعدّدة؟
وإذا كان تاجر قطع إلكترونية أو محرّكات ألعاب أو معدّات تقنية قد يجد نفسه في مواجهة اتهام كبير بسبب احتمال أن تُستعمل بضاعته في مجال آخر، فمن الطبيعي أن يبدأ كل تاجر بالنظر إلى بضاعته بعين الخوف لا بعين التجارة.
يوماً ما، قد يأتي الدور على تجّار الأدوات الصحية والأدوات المنزلية. قد يصبح القسطل قطعة «ذات طابع استراتيجي»، والخرطوم مادة تستوجب موافقة أمنية، والحنفية أداة «مزدوجة الاستخدام» تحتاج إلى تقرير فني قبل أن يُسمح ببيعها. وربما يُطلب من صاحب متجر الأدوات الصحية أن يثبت أن الخرطوم مُخصّص لري الحديقة وليس لشيء آخر، وأن الكوع البلاستيكي لم يشتره زبون بنية غامضة وليس جزءاً من منظومة سرية. وقد يصل الأمر إلى أن يعلّق التاجر لافتة على واجهة متجره تقول: «لا نتحمّل مسؤولية أي تفسير خارج المنطق».
في عالم المُبالغة، لا يعود السؤال: هل ارتكب التاجر جريمة؟ وهل توجد أدلة مادية واضحة؟ بل يصبح: هل يمكن نظرياً استخدام هذه القطعة في شيء آخر؟
إذا كان هذا هو المعيار، فلا شيء في السوق يصبح بريئاً. الهاتف يمكن إساءة استخدامه، والسيارة يمكن إساءة استخدامها، والكمبيوتر قد يدخل في أعمال مخالفة، والسلك الكهربائي والبطارية والمحرّك والحديد والبلاستيك، كلها يمكن أن تجد لها استعمالات مختلفة. فهل يصبح كل من يبيعها مُتّهماً إلى أن يثبت العكس؟
المشكلة ليست في مكافحة الجريمة، ولا في حق الدولة في ملاحقة أي عمل غير مشروع. بل المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الاحتمال إلى دليل، ويصبح التاجر مسؤولاً عن كل استعمال مُحتمل لبضاعة مشروعة، حتى لو لم يكن يعلم به أو يشارك فيه أو يقصده.
القانون العادل لا يُبنى على الخيال، بل على الوقائع. ولا يقوم على معاقبة الناس بسبب ما يمكن تخيّله، بل بسبب ما يثبت بالدليل. أمّا الاستنساب في الاتهام، فيفتح الباب أمام حالة يصبح فيها كل صاحب متجر مشروعَ مشتبهٍ به، وكل فاتورة بيع مستندَ اتهام.
لذلك، ربما على تجّار الأدوات الصحية أن يحتفظوا جيداً بفواتير المغاسل والحنفيات والخراطيم والقساطل، وأن يجهّزوا أنفسهم لليوم الذي يضطرون فيه إلى إثبات أن الحمّام، رغم كل شيء، ليس من أسلحة الدمار الشامل.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها